محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

207

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

لقد ظهرت فلا تخفى على أحد * إلّا على أكمه لا يعرف القمرا « 1 » لكن بطنت بما أظهرت محتجبا * وكيف يعرف من بالعزّة استترا وأنشدوا أيضا : بالنور يظهر ما يرى من صورة * وبه وجود الكائنات بلا امترا « 2 » لكنه يخفى لفرط ظهوره * حسّا ويدركه البصير من الورى « 3 » فإذا نظرت بعين قلبك لم تجد * شيئا سواه على الذوات مصوّرا وإذا طلبت حقيقة من غيره * فبذيل جهلك لا تزال معثرا لا يكن طلبك تسببا إلى العطاء منه فيقلّ فهمك عنه ، وليكن طلبك لإظهار العبودية ، وقياما بحقوق الربوبية . لم يأمر اللّه تعالى عباده بالطلب له والسؤال منه ، إلا ليظهر افتقارهم إليه ، ومثولهم بالتضرّع والخضوع بين يديه ؛ ليكون ذلك إظهارا لعبوديتهم ، وقياما بحقوق ربوبيته ، لا لأن يتسببوا به إلى حصول ما طلبوه ونيل ما رغبوه ، مما لهم فيه منفعة وحظ . هذا هو فهم العارفين عن اللّه ، ويدل على هذا المعنى ما يذكره المؤلف الآن . قال أبو نصر السرّاج : سألت بعض المشايخ عن الدعاء ما وجهه لأهل التسليم والتفويض ؟ فقال : تدعو اللّه على وجهين : أحدهما : تريد بذلك تزيين الجوارح الظاهرة بالدعاء ، لأن الدعاء ضرب من الخدمة يريد أن يزين جوارحه بهذه الخدمة . والوجه الثاني : أن تدعو ائتمارا لما أمر اللّه تعالى من الدعاء . انتهى . وقد قيل : فائدة الدعاء إظهار الفاقة بين يديه ، وإلا فالربّ يفعل ما يشاء ، ومقتضى هذا أن لا ينقطع سؤاله ولا رغبته ، وإن أعطاه كلّ ما طلبه ، وأنا له سؤاله وأربه ، وأن لا يفرق بين العدم والوجود والمنع والإعطاء فيما يرجع إلى إظهار الفاقة والفقر ، فيكون عبدا للّه في الأحوال كلها ، كما أن ربّه واسع الفضل في الأحوال كلها . وقبيح بالعبد أن يصرف وجهه عن باب مولاه ما ينيله من شهواته وهواه . قال سيدي أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : « لا يكن همّك بدعائك الظفر بقضاء حوائجك فتكون محجوبا ، وليكن همّك مناجاة مولاك » .

--> ( 1 ) الأكمه : من ولد أعمى ، أو من فقد بصره . ( 2 ) امترى في الشيء : شك فيه . ( 3 ) الورى : الخلق .